الشوكاني
138
فتح القدير
تصير السماء في حمرة الورد ، وجريان الدهن : أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم ، وتصير مثل الدهن لذوبانها ، وقيل الدهان الجلد الأحمر . وقال الحسن كالدهان : أي كصبيب الدهن ، فإنك إذا صببته ترى فيه ألوانا . وقال زيد بن أسلم : إنها تصير كعصير الزيت . قال الزجاج : إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر . قال الماوردي : وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة ، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها ما في هذا التهديد والتخويف من حسن العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشر ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) أي يوم تنشق السماء لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه ، لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم ، والجمع بين هذه الآية وبين مثل قوله - فوربك لنسألنهم أجمعين - أن ما هنا يكون في موقف والسؤال في موقف آخر من مواقف القيامة : وقيل إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم ، لأن الله سبحانه قد أحصى الأعمال وحفظها على العباد ، ولكن يسألون سؤال توبيخ وتقريع ، ومثل هذه الآية قوله - ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون - قال أبو العالية : المعنى لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم . وقيل إن عدم السؤال هو عند البعث ، والسؤال هو في موقف الحساب ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذا الوعيد الشديد لكثرة ما يترتب عليه من الفوائد مع ( يعرف المجرمون بسيماهم ) هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال . السيما : العلامة . قال الحسن : سيماهم سواد الوجوه وزرقة الأعين ، كما في قوله - ونحشر المجرمين يومئذ زرقا - وقال - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - وقيل سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) الجار والمجرور في محل رفع على أنه النائب ، والنواصي شعور مقدم الرؤوس ، والمعنى : أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي ، وتلقيهم الملائكة في النار . قال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره ، وقيل تسحبهم الملائكة إلى النار ، تارة تأخذ بنواصيهم وتجرهم على وجوههم ، وتارة تأخذ بأقدامهم وتجرهم على رؤوسهم ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب وتضطرب لهو له الأحشاء هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ) أي يقال لهم عند ذلك هذه جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا يقال لهم عند الآخذ بالنواصي والأقدام . فقيل يقال لهم هذه جهنم تقريعا لهم وتوبيخا ( يطوفون بينها ) أي بين جهنم فتحرقهم ( وبين حميم آن ) فتصب على وجوههم ، والحميم : الماء الحار ، والآن : الذي قد انتهى حره وبلغ غايته . كذا قال الفراء . قال الزجاج : أنى يأتي أنى فهو آن : إذا انتهى في النضج والحرارة ، ومنه قول النابغة الذبياني : وتخضب لحية غدرت وخانت * بأحمر من نجيع الجوف آن وقيل هو واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد . أهل النار ، فيغمسون فيه . قال قتادة : يطوفون مرة في الحميم ومرة بين الجحيم ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف وما يحصل به من الترغيب في الخير والترهيب عن الشر . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ( ذو الجلال والإكرام ) قال : ذو الكبرياء والعظمة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ( يسأله من في السماوات ) قال : مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك . وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن منده وابن مردويه